استيقظ من نومه مفزوعًا كعادته في الأيام السابقة. جلس على حافة السرير يلتقط أنفاسه بصعوبة وهو يمسح ما نضح عن جبينه من عرق. وقبل أن يستجمع شتات نفسه، قام مسرعًا إلى مكتبه يحاول أن يخط على ورقه شظايا حلم متكرر ما فتِئ يقضّ مضجعه كل ليلة. يُعاد هذا الحلم في نومه كل يوم كفيلم يُدار إلى ما لا نهاية في آلة عرض سينمائي. ولا يلبث أن يمّحي هذا الحلم عقب استيقاظه ويتفتت أمامه كرماد كئيب. ولكنه أسرع اليوم لتسجيل ذلك الحلم قبل نسيانه. وقف أمام الورقة البيضاء عاجزًا عن أن يخطّ بحرف. ينهشه هذا البياض الفارغ. أغلق عينيه بشدة، وضغط بيديه على رأسه محاولًا بكل جهده أن يتذكر أي تفاصيل. ثم كتب على الورقة_بعد جهد جهيد_كلامًا يبدو بلا أي صلة أو ترابط: مائدة لاثنين. كرسي شاغر. يحاول أن يفك رموز ما كتبه وكأن الذي كتب هذا الكلام شخصٌ آخر، شخصٌ غريب. ولما يأس وخانته ذاكرته، تمدد على سريره، ابتلع حبوب المنوم، واستنام لحلمٍ آخر. رأي فيما يرى النائم أنه يجلس في أحد المطاعم. يجلس وحيدًا على مائدة لاثنين. الكرسي الذي أمامه شاغر. والمطعم ممتلئ عن آخره. كان الوقت ليلًا، وكانت الساعة تشير إلى الواحدة. جلس ينتظر. انتظر ط...
رأيتُ فيما يرى النائم، أنني أجلس في غرفتي كالمعتاد، ولكنني كلما أغمضتُ عيني وأعدتُ فتحها، اختفى شيءٌ ما من الغرفة. في البدء لم أحفل لخطورة الأمر، ثم شعرتُ بالهلع ينتابني عندما أدركتُ أن كل ما في الغرفة يمثل أيامي وذكرياتي الماضية، ويرمز لحياتي التي كانت يومًا ولم تعد. كانت الأشياء تختفي فعليًا بغمضة عين، وتأخذ معها أعوامًا وسيلًا من الذكريات فتنمحي وكأنها لم توجد يومًا. ولمّا أصبحتْ الغرفة فارغةً إلا مني، أغلقتُ عيني بشدة متجاهلًا العالم الكامن في ما وراء النظرة التالية المرتقبة، منتظرًا بخوفٍ وجزع، ومتسائلًا عن الشيء الباقي الذي سيختفي ما أن أفتح عيني!
اعتاد على العيش وحيدًا منذ زمن. وكثيرًا ما كان يرى في شقته حشرةً عملاقة. تُذكِّرهُ بصرصور "كافكا"، ولكنها عنده كانت أقرب إلى نملةٍ عملاقة. إنه "جريجوري سامسا" خاصتي. كثيرًا ما يقول، وهو مدرك أن ذلك ربما يكون هذيان شخصٍ وحيد ومصابٍ بالأرق. صباحًا يعمل. وفي المساء يحاول أن ينام. يعدُّ الأيام منذ أن نام آخر مرة. واحدٌ وثلاثون يومًا. وثلاثة عشر يومًا منذ أن أقلع عن التدخين. يسحب سيجارة من علبة سجائره "البلمونت". يشعلها وهو يتذكر قصيدة "نجيب سرور"، ويبدأ العدَّ من جديد. وفي ليلةٍ من ليالي الشتاء الباردة، وبينما هو غارقٌ فيما يشبه النوم أو الأرق، أخذ يُحصي عدد الأشخاص الذين فقدهم على مرِّ السنين، كتمرين ربما يساعده يومًا على العودة إلى النوم. يقف في عدِّه عند الرقم اثنين وتسعين، وذلك عندما يقاطعه صوت قطرات المطر وهي تسقط على زجاج نافذته. يأخذ في إحصاءها عاجزًا أيضًا عن النوم، ويرحل بذاكرته وجسده إلى أعوامٍ مضت. لم يكن يظن أنه سوف يفتقد تلك الأشياء الصغيرة. أشياء بسيطة، كالانتظار بجوار فرنٍ دافئ في ليلة ممطرة. رائحة المطر والفطائر الساخنة. ضحكات صديقه...