23/1/2024
أخرج، من جيبه المهترئ، منديله الرطب، وأخذ يمسح، بمجهودٍ مريرٍ، ما نضح عن جبينه من عرق. كانت قطرات العرق تنهمر بلا توقُّف على وجهه المتجعِّد، والشمس من فوقه تلفحه بنيرانها بلا رحمة، فتنعكس بأشعَّتها على شعره الأبيض المُهْمَل.
كان ينتظر، تحت أشعة الشمس تلك، أي عربةٍ تقلُّه إلى المنزل. وفي وسط الغبار، والشمس الحارقة، وقطرات العرق، شعر بأنه في صحراء جرداء، وبأن كلَّ ما حوله سراب لا يلبث أن يختفي في أي لحظة. وشعر بجسده الواهن يميل نحو يمينه حتى كاد يقع بسبب الراديو القديم الذي كان يحمله.
بعد ادِّخار طويل، وتقشُّف لاذع، استطاع أن يستخلص، من مرتبه الضئيل، ما مكَّنه أخيرًا من شرائه. وبعد لأي، وعندما شعر بأنه لم يعد يقدر على الوقوف أكثر من ذلك، توقفت، أخيرًا، أمامه عربة مليئة عن آخرها فركبها. وشعر بداخلها بالاختناق والحصار، فاحتضن الراديو في صدره كي يطمئن.
كان الجو جافًا، بلا نسمة هواء واحدة. والرطوبة خانقة، والوحشة لا تعرف بردًا ولا حرًا كي تزوه بلا مقدمات. والقلب عامرٌ ولكنه، على ذلك، وحيد. والعرق لم يتوقف عن الانصباب لحظة، ونفسه تلوِّح له بالأمل في الخلاص والظل.
نزل الأستاذ "عبده حافظ" من العربة، ووطأ بقدمه أرض الحارة فشعر بدنوّ النجاة. بدأ معصم يده اليمني يؤلمه من حمل الراديو، ويده اليسرى ضعيفة لن يستطيع حمله بها لبضع خطوات، فظل محتضنًا الراديو حتى يصل إلى منزله، مغلقًا عينه من الشمس الساطعة، إلا من فُرجة صغيرة ليرى من خلالها موضع خطواته حتى لا يتعثر. وعندما اقترب من العمارة، وقبل أن يضع قدمه، ليشعر أخيرًا، ببرودة المدخل، استوقفه صوتٌ نسائي أجش قائلًا:
- جيت بدري يعني يا سي "عبده" مش عوايدك.
ارتبك الأستاذ "عبده" للحظات ثم قال متلعثمًا:
- أصل النهارده خلصت الشغل بدري، والجو مش مستحمل أي مشاوير تانية.
نظرت الست "بدرية" نحو الراديو، ثم رفعت عينيها نحو الأستاذ "عبده" وقد ارتسم على وجهها ابتسامة سخرية، ثم قالت له:
- اسم الله، ما دام معاك فلوس والدنيا عال العال، مش بتدفع الإيجار ليه يا عنيا؟
أطرق الأستاذ "عبده" للحظات، ثم قال مترددًا:
- لا يا ست "بدرية" مش زي ما أنتِ فاهمة، أصل ده بتاع واحد زميلنا في الشغل، والتصليح ده كان صنعتي زمان مع الحاج والدي الله يرحمه، فقلت لما أعملها جميلة.
ضيَّقت الست "بدرية" عينيها، وتطلَّعت نحوه بنظرة طويلة مليئة بالشك والحقد والسخرية، ثم ولَّت وجهها عنه، وقالت قبل أن تدخل شفتها:
- ابقى خد منه حق تصليحها يا خويا، الجمايل مش هتدفعلك الإيجار.
وأغلقت الباب خلفها بقوة.
أخذ الأستاذ "عبده" يصعد السلالم لاهثًا، محتضنًا الراديو بين يديه، حتى وصل إلى شقته في الدور الرابع. وضع الراديو بحذرٍ على الدرابزين بجانبه، وأخرج مفتاح شقته الصدئ، ودلف إلى المنزل، فاستقبلته أولى لفحات الهواء. وضع الراديو على أول منضدة قابلته، ثم ارتمي على الأريكة متعبًا.
كانت الشقة صغيرة، خاوية، تتكون من غرفة وحيدة وصالة. كانت الصالة خالية إلا من أريكة عتيقة ومنضدة، وهي التي وضع عليها الراديو. وأما الغرفة فكانت تتكون من سرير كادت أركانه تتقوَّض، وكومودينو صغير موضوع بجانبها عليه أكوام من ورق الجرائد. وكانت الغرفة من صغرها، لا تستطيع حمل أكثر من شخصين في الوقت ذاته.
قام من مكانه وذهب إلى الحمام فغسل وجهه وتوضأ. توجَّه نحو غرفته فارتدى الجلابية والعمامة، وصلّى صلاة الظهر، ثم ذهب وأحضر الراديو من مكانه على المنضدة، ودخل الغرفة فوضعه على الكومودينو بجانبه، وتمدَّد على السرير، ودخل في سباتٍ عميق.
رأى فيما يرى النائم مشاهد متفرقة مشوَّشة. رأى لحظات من طفولته البعيدة. أمه، أبوه، أخوته، حيث كانوا جميعًا في أحسن حال، كما يتذكرهم من الأيام الخوالي. لمس قلبه شعور بالونس، ورأى، من جديد، الحي القديم، والأصدقاء، والشوارع التي شهدت سعادته الماضية. رأى دكان أبيه، وأجهزة الراديو تتكدَّس في انتظار إصلاحها. شمَّ روائح من الزمن الغابر، ففغم أنفه رائحة الغبار العتيق، وأحس بيده، مرة أخرى تمسح الغبار عن أجهزة الراديو، وسمع أصواتًا كانت، في وقتٍ من الأوقات، هي مصدر السكينة الوحيد.
"يا صباح الخير ياللي معانا ياللي معانا
الكروان غنى وصحانا وصحانا
يا صباح الخير ياللي معانا ياللي معانا
الكروان غنى وصحانا وصحانا
يا صباح الخير ياللي معانا ياللي معانا
الكروان غنى وصحانا
والشمس أهي طالعة وضحاها
والطير أهي سارحة فى سماها
يالا معاها يالا معاها يالا معاها
يا صباح الخير يا اللى معانا ياللي معانا".
"إذاعة جمهورية مصر العربية، من القاهرة".
"من حديقة الشعر والكلمات، أقدم لكم قطرات الندى، لمحة شاعرة نقدمها لكم كل صباح".
"خمسة لقلبك".
"كلمتين وبس".
"نادية صالح في (ذكريات لمكتبة فلان)".
"قطوف الأدب من كلام العرب، برنامج أسبوعي".
"علي فايق زغلول يقدم لكم، الأغنية والمونولوج، والتمثيلية الفكاهية، والهوايات الفنية والأدبية، والمباريات والمسابقات، في مسرح المنوعات".
"إذاعة القرآن الكريم، من القاهرة".
وتداخلت الأصوات والروائح والذكريات مع بعضها البعض، ثم تحوَّلت تلك المشاهد إلى ضباب، وبدأ يدهمها لقطات أخذت طابعًا باهتًا وكئيبًا، ووجد نفسه، على حين غرة، في طريقٍ مقفر، وحيدًا، ولا أثر لأي شخص. لم يجد في الشوارع من حوله سوى جماعات من الصراصير تجئ وتخرج من كلِّ مكان. وعلى أبواب إحدى المحلات وجد مرآة، نظر فيها، فلم يرَ شيئًا. ونظر إلى يده، فوجد العمر يزحف عليها بسرعة هائلة كأسرابٍ من النمل، وكأنه يشيخ أعوامًا في الثانية الواحدة. ومن تحته، رأى حفرةً عميقةً كقبر يخرج منها أصوات الإذاعة المصرية، وقبل أن يستجمع شتات نفسه، زلت قدمه فوقع داخلها.
قام الأستاذ "عبده" فزعًا من نومه، ونظر إلى الراديو بجانبه. أدار مفتاح التشغيل وهو لا يزال يلهث من فرط الانفعال، فأخرج الراديو في بداية الأمر صوتًا مشوشًا، ثم بدأت تتضح رويدًا رويدًا، وخرجت الأصوات التي يألفها جيدًا. نظر حوله، فلم يجد إلا الوحشة، وخيوط عنكبوت واهنة في كلِّ ركنٍ يقع عليه نظره، فبدأت أشباح الوحدة والإحباط تتلقَّفه وهو يتحسَّس التجاعيد في وجهه بيديه، ويتحسَّر على الأحلام المنقضية والزمن المفقود، فانخرط في بكاءٍ عميق، وأخذ يقول لنفسه مغمغمًا كطفل: "أهذا كلّ ما ضيَّعت فيه العمر يا صاحبي؟!".