28/10/2023

قال الغريب: لقد توقفتُ عن النوم.
كما قال كذلك: لقد توقفتُ عن الحُلم.
وقال الكثير أيضًا عن الوحدة والاغتراب والانتظار. 
يُحدِّث الآخرين عن قصة الشخص الذي ملَّ الانتظار فاستحال ظلًّا يصحب الآخرين في خطاهم. 
يسمعه الآخرون في سخريةٍ ممزوجةٍ بشفقةٍ مهينة.
ويسمعونه أيضًا عندما يُحدِّثهم عن السراب، والنوافذ العالية، والأبواب المغلقة، وعتبات البيوت، والشرفات المضاءة في الليل تحت المطر، والستائر المثقوبة والتي تقبع خلفها السحابات الزرق المتثائبات من الفراغ، والفراشات الوحيدات اللاتي يُشبهْنَ في وَحشَتِهِنَّ القطارات الغريبة. 
ويحكي لهم عن آخر حُلمٍ حَلَم به، وقد رأى نفسه في غرفةٍ مغلقة، ينظر من وراء نافذةٍ صغيرة، إلى زاوية الطريق التي تحمل الكثير من الحكايات والصمت والخطوات. ينظر في توجسٍ إلى أشخاصٍ عابرين، مثله، ثم يجد نفسه فجأةً في الغرفة المغلقة غارقًا في ظلامٍ تام، وقد اختفت النافذة، والطريق، والحكايات والصمت والخطوات، والضوء الشحيح الناعم المتسلل من الجدار الذي كان نافذة. 
وهو يكره الضوء ولكنه يحتاجه. ويحب الظلام ولكنه يخاف منه. 
ومنذ تلك اللحظة، اعتزل النوم والحُلم.
وينتظر، وهو الذي لا ينتظر شيئًا. 
ينتظر، رغم تحذيره للآخرين دائمًا من محنة الانتظار. 
ينتظر بنفسٍ مشوقةٍ جوفاء، عودته للنوم والحُلم مرة أخرى.
ينتظر عالمًا يستطيع فيه أن يدخن سجائره دون أن تتفتَّتَ رئتاه، وعالمًا يستطيع فيه أن يتحدث عن الحب بدلًا من الوحدة، والانتماء بدلًا من الاغتراب. ينتظر عالمًا لا يحتاج فيه للحديث حتى يعبِّر عن نفسه، ولا للحضور حتى يدفع عن نفسه مشقَّة الغياب.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

8/4/2023

11/4/2023

9/4/2023