23/4/2023

جلستُ أمام الورقة البيضاء محاولًا في تأفُّفٍ أن أخطَّ أول حروفي عليها، فأتبع الحرف بحرفٍ آخر حتى أخطَّ أول كلمة، ثم أتبع الكلمة بكلمةٍ أخرى حتى أكوِّن أول جملة، وأتبع الجملة بجملةٍ أخرى، وهكذا دواليك، حتى أكتب ما يبدو للرائي نصًا محكمًا متكامل الأركان. 
ولكنني، مع الأسف ولسوء الحظ، ظللتُ واقفًا بعجز أمام أول حرف لا أستطيع كتابته. أخذتُ أراجع في ذهني الحروف الأبجدية. ألفٌ، باءٌ، تاءٌ، ثاءٌ.. إلخ. أسترجعها بنغمةٍ موسيقية كما حفظتها في صغري، ولكن يأبي الحرف رغم ذلك الانصياع لي، وأن يتمثل أمامي مكتوبًا في تلك الورقة البيضاء التي ترمقني بسخريةٍ، وأرمقها بدوري متوسلًا.
ولما يأستُ وحرِتُ في أمري، تنهدتُ مستسلمًا، وأمسكتُ هاتفي، وأخذتُ أُقلِّب فيه بلا هدف. أخبارٌ تافهة. شخصياتٌ خاوية. مشاعرٌ مستنزفة. أحاسيسٌ زائفة. ولا جديد. وبالطبع لا رسائل لديَّ من أيّ شخص. تركتُ الهاتف من يدي، وأخذت أنظر مجددًا إلى الورقة الفارغة البيضاء أمامي. وبعد تفكيرٍ طويل، أمسكتُ قلمي وشرعتُ في كتابة أول جملة: 
"رأيتُ فيما يرى النائم..."
ثم تذكرتُ أنني لم أحلم منذ فترةٍ طويلة، فأجهضتُ الجملة في مهدها ولم أكملها. جعلتُ أفكر من جديد، ثم شرعتُ في الكتابة مرة أخرى، فكتبتُ: 
"لم أعرف في أغلب الأوقات سبب حبِّ بعض الناس لي، فكان دائمًا ما يسبب لي ذلك الأمر حيرةً كبيرة، وأعجز عن معرفة السبب الكامن وراء ذلك الحبّ. وربما ترجع تلك الحيرة إلى أنني أمقتُ ذاتي ولا أستطيع تقبُّلها، ولذلك أتعجب عندما أجد من يحبني.." 
ثم تراجعتُ عمّا كتبته. لا، لا أريد أن أعبِّر عن نفسي أكثر مما يجب، وإن اضطررتُ إلى ذلك فيجب أن يكون ذلك في صورةٍ رمزيةٍ على الأقل.
وهكذا مسحتُ ما كتبته وطفقتُ أفكر من جديد. وبقيتُ على ذلك الوضع لفترةٍ لم أعلم أطالت أم قصرت، فلا أكاد أكتب حرفًا حتى أزيله، ولا يكاد ذهني يُمسك بزمامِ فكرةٍ حتى تختفي فجأةً في غيابت وعيي مُغرَّرة بي.
كدتُ أترك القلم من يدي وأذهب إلى فراشي خائبًا، ولكنني سمعتُ بالخارج صوت قطرات يقرع زجاج النافذة بإصرار. لم يكن الجو يُنبئ بأنها ستمطر اليوم، فقمتُ من مكاني وفتحتُ خصاص النافذة، فاستقبلني رذاذ المطر يلفح وجهي في اغتباط، وتأملتُ الغيوم وما تبعثه في النفس من صبابة، ونفذتْ إلى أنفي رائحة المطر مختلطة برائحة الأحباب والذكريات، فشعرتُ بأنني رأيتُ وعشتُ هذا الموقف الحاضر من قبل، فبرقتْ في ذهني خاطرةٌ لم تلبث أن انمحت، ولكنها تركتْ في نفسي شعورًا لم أستطع تجاهله، ولم أدرك كنهه إلا عندما بدأتُ أكتب في الورقة أمامي هذه القصة، فكتبتُ: 

مدَّت نوران يدها ببطئ ثم ربَّتت بهدوءٍ وإشفاق على يد مصطفى. رفع مصطفى نظره إليها كمن تنبَّه من سباتٍ بغتةً. نظر إليها طويلًا في شرودٍ واكفهرار. تأمل وجهها، وأدام النظر في عينيها الزرقاوين، وخصلات شعرها المبعثرة والمنسدلة على عينيها وكأنها ستارٌ يحاول أن يخفي ما وراءه. مدّ مصطفى يده وتشبّث بيدها في حنانٍ وخوف. كانت السماء تمطر خارج المقهى بلا هوادة. وكان صوت قطرات المطر في الخارج يمتزج في تآلُفٍ ورتابة مع أغنية "The Night We Met" لفرقة "Lord Huron" والتي كانت تنبعث من الراديو داخل المقهى. 

"I am not the only traveler
Who has not repaid his debt
I've been searching for a trail to follow again
Take me back to the night we met"

نظر مصطفى في عينيها مرة أخرى في ارتباك، فسحبتْ نوران يدها برفق. ولمّا طال الصمت بينهما، قالت نوران بفتورٍ ورقة: 
- لماذا أحضرتني مرة أخرى؟
كانت الأمطار في الخارج تستفحل بقسوة فوق الأرصفة الباردة، والريح تزداد هيجانًا حتى شعر بالأرض ترتجّ تحته وتتقلقل، وبالمنضدة أمامه تهتزّ كسفينةٍ في عرض البحر، فبدأت الأكواب تتساقط من حوله على جميع الموائد، وجعل صوت تهشيم الزجاج يحاصره من كل مكان دون أن يعير أحد انتباهًا لذلك. نظر مصطفى بلمحةٍ خاطفة نحو نافذة المقهى، ثم التفت مرة أخرى نحو نوران متسائلًا: 
- لا أكاد أفهم! 
كان كلّ شيءٍ من حوله يبدو غريبًا وغامضًا وغير منطقي من نواحٍ كثيرة. وفجأة أحسّ بيدٍ تضغط على عنقه بشدة حتى كاد يختنق. وتواثبتْ بخفةٍ في مخيلته_ مثل فيلم_ لقطاتٌ متتالية لم يستطع تبيُّن ملامحها من سرعة إندثارها، فلم يستطع أن يبصر منها إلا لقطاتٍ قليلة هي التي رسخت في ذهنه. طريقٌ طويل. سيارةٌ مسرعة. مطرٌ هاطل. يدٌ مخضبةٌ بالدماء. لقطاتٌ بدت له مخيفةً وبلا معنى. شدّ مصطفى على يديها وكأنه يطلب العون، ثم قال بحرارة:
- أنا أحبكِ يا نوران، وأنا أعلم أنكِ تعلمين أنني أحبكِ وإن لم أُفصح لكِ عن ذلك. وأعتذر لكِ عن كل المرات التي اضطررتي فيها على التعامل مع الأمور وحدك، في الأوقات التي كنت أختفي وأغيب عنكِ فيها. لم أكن أهرب منكِ حينئذٍ يا نوران، ولكنني كنت أهرب من نفسي. ولكن لم يفت الآوان بعد. لقد كنت أنوي أن أعلن لكِ عن حبي في المكان الذي التقينا فيه أول مرة، أتذكرين تلك الليلة؟ إن صورتكِ في تلك الليلة محفورة في ذهني لا تنمحي، بوجهك النضير الآسر، وشعرك الفاحم الفاتن، وابتسامتك الساحرة البديعة، وعينيكِ الـ ....
ثم صمت قليلًا وهو يتأمل في عينيها قبل أن يستدرك:
- وعينيك العسليتين! 
ظل مصطفى ينظر إليها في ارتباكٍ وتفكُّر، ثم قال بتلعثم:
- إنني أتذكر .. أتذكر أن عينيك .. كانتا دائمًا عسليتان.
كانت الريح تزمجر بشدة في الخارج. وفي الداخل كانت الأرض تحت مصطفى تزداد اضطرابًا وغضبًا. ومن بعيد، أخذتْ بعض الأصوات بشكلٍ مبهم تتناهي إلى سمع مصطفى وتتداخل مع بعض الأصوات الأخرى. كانت الأصوات متشابكة ومتباينة وتأتي من نواحٍ شتى. صوت زمجرة الريح وقطرات المطر. صوت اهتزار الأرض. أزيز محرك سيارة. جهاز ضربات القلب. صوت عقارب الساعة. نظر مصطفى إلى الساعة في يديه، فكانت تسير بعقاربها إلى اليسار. ثم رأى يد نوران ويديه تتخضبان فجأةً بحمرةٍ قانية. سكت مصطفى لبرهة ناظرًا إلى يديه، ثم غمغم بصوتٍ لا يكاد يُسمع:
- أنتِ لستِ هنا، أليس كذلك؟
- بلى، أنا لست هنا.
ثم سكتت برهة قبل أن تستدرك:
 - وكذلك أنتَ أيضًا.. ألا تتذكر؟
وأخذت اللقطات الغامضة التي تواثبت في مخليته منذ قليل، تعود إلى مخيلته مرة أخرى ولكن بشكل أكثر وضوحًا هذه المرة، فأدرك مصطفى ما يدور حوله، وتذكر الليلة التي كان ينوي أن يعلن فيها لنوران بحبه، عندما أخذها بالسيارة في تلك الليلة المطيرة إلى المكان الذي تمّ فيه اللقاء الأول بينهما. كان الطريق أمامه ضبابيًا، ثم... 
- لم ننجُ تلك الليلة إذن؟
هزّت نوران رأسها في هدوءٍ وسكينة، وقالت له:
- لم تعد هناك فائدة للندم، فاترك يدك المتشبثة بالوهم واستسلم للراحة.
كانت الأرض لا تزال في اضطرابها وغضبها، وأخذت الأصوات من حولهما، بعنادٍ ورغم كل ما يدور، تزداد علوًا وتداخلًا وفظاظة حتى طغت على كل شيء. وفي الخلفية كانت أغنية "The Night We Met" لا تزال ترسل أنغامها، في رقةٍ، وقسوةٍ، ورثاء.

"I had all and then most of you
Some and now none of you
Take me back to the night we met
I don't know what I'm supposed to do
Haunted by the ghost of you
Take me back to the night we met"

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

8/4/2023

11/4/2023

9/4/2023