15/4/2023
وقفتُ أمام المرآة أراجع مشهدي للمرة الأخيرة. المشهد الختامي والأكثر أهمية في المسرحية، أو كما يطلق عليه معشر النقاد "الماستر سين".
يا لها من كتابةٍ بديعة، ويا له من منولوجٍ عظيم سيسحر ألباب المشاهدين بلا شك، وسيجعلني أستحوذ على الأضواء وأظفر أخيرًا بالمديح الذي استحقه، وأغنم بدور البطولة المطلقة في قادم الأعمال.
أراجع المشهد مرة أخرى في توتر. أسمع صوت التصفيق خارجًا. إذًا فقد بدأت المسرحية. تركتُ موضعي عَجِلًا، وذهبتُ إلى الكواليس لأشاهد زملائي في المسرحية منتظرًا دوري بفارغ الصبر. شعرتُ ببعض القلق يطرقني، وبالتوتر يسري في أطرافي حتى أحسستُ بالبرد يغمر جسدي كله رغم الحرّ السائر في المكان. وممَّا زاد من قلقي أن زملائي الممثلين قد أخذوا يبدعون في أدوارهم، والجمهور متفاعلٌ معهم، منشرحًا أيَّما انشراح، مستمتعًا أشدّ الاستمتاع بما يراه ويسمعه. أخرجتُ الورقة من جيبي في قلق، وأخذتُ أراجع مشهدي مرة أخرى. ثم تذكَّرتُ الحلَّ الأزلي والذي يستخدمه الممثلون منذ القدم، فكلّ ما عليَّ فعله لكي أقلّل توتري، هو أن أتخيل جميع المشاهدين أمامي عرايا كما ولدتهم أمهاتهم. ولكنني شعرتُ أن من الممكن أن يغريني ذلك بالضحك أكثر مما يفيدني في حالتي تلك، ثم قرَّرتُ أنني سأتخيل المسرح أمامي فارغًا، وأنني سأقوم بإلقاء مونولوجي كما ألقيته وحيدًا مئات المرات في غرفتي وأمام مرآتي. وبينما أنا ممعنٌ في تفكيري ذاك، دوى إلى سمعي تصفيقٌ عميق، ووجدتُ خلفي من يدفعني دفعًا إلى دخول المسرح. ثم وجدتُ نفسي فجأةً أقف أمام المئات، بل الآلاف من المشاهدين، بأعينٍ متلهفةٍ ظمآنةٍ لما سأقول. ولمّا طال ذهولي وصمتي، سحبتُ نفسًا عميقًا وأغمضتُ عيني لعدة ثوانٍ، وعندما فتحتها كان المسرح أمامي فارغًا كما أردتُ تمامًا. وأخيرًا شعرت بالتحرُّر من قيود الخوف والقلق، وأخذتُ في توقُّدٍ منقطع النظير، أُلقي ذلك المنولوج العظيم دون أن أتلجلج أو أخطأ في حرفٍ واحد، وشعرتُ إذ ذاك بأنني أملك العالم بأسره بين يديّ، وبأنني قد وجدتُ أخيرًا بعد بحثٍ طويل، المكان الذي أستحق أن أتواجد فيه. وعندما انتهيتُ من الإلقاء، وقفتُ فاتحًا ذراعيَّ في ثقةٍ وفخر، بانتظار التصفيق المتوقع والاحتفاء المُستَحَقّ، ولكنني لم أسمع ولم أرَ ولم أعِ شيئًا، فالمسرح كان لا يزال فارغًا. ضحكتُ من سذاجتي، فأغمضتُ عيني وأعدتُ فتحها. وعندما فتحتها لم يتغيّر شيء. كان المسرح فارغًا تمامًا. شعرتُ بالفزع ينتابني، فركضتُ نحو مقاعد المسرح، أتفقَّدها كرسيًا كرسيًا، ولكن المسرح كان خاويًا بحق لا مجال للشك في ذلك. ركضتُ خارج المسرح، فوجدتُ الشوارع خاليةً أيضًا، ولا يوجد فيها أثرٌ لأيّ إنسان أو لحياةٍ مسبقة.
وجدتُ نفسي وحيدًا وحدةً قاسية، وأشباح الوحشة تتلقفني من شارعٍ إلى آخر، ومن حارةٍ إلى أخرى، دون فائدة. وظللتُ لبعض الوقت أركض في الطرقات محمومًا، كمن لا يرغب في تصديق الشيء الواضح الجليّ أمامه. وجلستُ بعد أن أعياني التعب في حديقةٍ ما على إحدى الكراسي وقد شملني الحزن والأسى.
كان الصمت سائدًا من حولي، والليل يرسل في قسوةٍ رياحه، فجعلتُ أرتجف في مكاني من البرد والحنين. وشعرتُ آنذاك بأنني خسرتُ الجميع، ولم يخسرني أحد. وتمنيتُ لو كنتُ أنا أيضًا، كالآخرين، قد اختفيت إلى الأبد وبلا رجعة.